رام الله - " ريال ميديا ":
عقد الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان) جلسة لمناقشة نتائج دراسة بعنوان " تقييم المساحة المتاحة أمام الفضاء المدني ومشاركته في صنع السياسات العامة والمساءلة على تنفيذها -التقييم البعدي 2025"، بحضور ممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الحكومي وخبراء مهتمين بالشأن العام.
افتتح الجلسة المدير التنفيذي لائتلاف أمان، عصام حج حسين، موضحًا أن الدراسة السابقة التي أعدها الائتلاف في مطلع 2024 كانت قبلية وشملت جزأين، تناول الأول القيود والتحديات الخارجية التي تواجه فضاء مؤسسات المجتمع المدني وتحد من قدرته على المشاركة في صنع السياسات العامة والمساءلة عليها، فيما ركز الثاني على مدى جاهزية هذه المؤسسات للتأثير في صنع السياسات العامة. وأشار إلى أن الجلسة الحالية تعرض نتائج الدراسة البعدية، التي تقارن مستوى التقدم الحاصل في مشاركة المجتمع المدني وتفاعل الجهات الرسمية معه.
استعرض معد الدراسة الباحث جهاد حرب أبرز النتائج، موضحًا أن البيئة السياسية العامة، بما فيها استمرار الاحتلال والانقسام السياسي، تحدّ من قدرة المجتمع المدني على التأثير والرقابة. كما أشارت الدراسة إلى أن غياب المجلس التشريعي وهيمنة السلطة التنفيذية يضعف دور المجتمع المدني، إلى جانب استمرار صعوبات الوصول إلى المعلومات وضعف مأسسة العلاقة مع الجهات الرسمية.
وأظهرت الدراسة أنه على الرغم مما طرأ من تحسن نسبي في استجابة الجهات الرسمية، إلا أن ذلك لم يحقق مشاركة فعلية وشاملة، خاصة في القضايا الحساسة مثل السياسات المالية والأمنية. وأكدت الدراسة أن المشكلة ليست في التشريعات، بل في ضعف الالتزام بتطبيقها، مع غياب سياسة عامة معتمدة ومنشورة لتنظيم العلاقة مع المجتمع المدني وضمان حق الوصول إلى المعلومات.
تراجع أولوية الانخراط في السياسات العامة لصالح العمل الإنساني
تشير النتائج إلى أن البيئة السياسية الفلسطينية أسهمت في تقييد دور مؤسسات المجتمع المدني في المشاركة في صنع السياسات العامة، وذلك بفعل الاحتلال والانقسام السياسي، إلى جانب هيمنة السلطة التنفيذية على عملية اتخاذ القرار. كما أدّى التحول نحو العمل الإنساني، خاصة بعد حرب غزة، إلى تراجع أولوية الانخراط في السياسات العامة لدى العديد من المنظمات الأهلية.
على مستوى الإطار السياساتي، فلا توجد سياسة حكومية واضحة وملزمة تنظم الشراكة مع المجتمع المدني، ما يجعل هذه المشاركة موسمية وخاضعة للإرادة السياسية. كما تُعدّ المشاركة في صنع السياسات هدفًا ثانويًا لدى العديد من المؤسسات، التي لم تُدخل تغييرات جوهرية على استراتيجياتها أو هياكلها لتعزيز هذا الدور، في ظل تركيزها على أولويات الأمان والاستقرار الناتجة عن السياق السياسي.
وفيما يتعلق بأشكال المشاركة والتأثير في صنع السياسات، أظهرت الدراسة أن فرص تأثير مؤسسات المجتمع المدني ستزداد لو تم تعزيز التنسيق فيما بينها، وتوحيدًا للجهود، وتوسيعًا لقاعدة المشاورات فيما بينها.
كما تواجه هذه المؤسسات تحديات إضافية، أبرزها ازدواجية مراكز القرار بين الحكومة ومؤسسة الرئاسة، وما يرافق ذلك من تفاوت في مستوى الإرادة السياسية لدى الطرفين لإشراك المجتمع المدني في عمليات صنع القرار والسياسات العامة.
سياسة عامة مكتوبة وملزمة تجاه المجتمع المدني وإقرار قانون حق الوصول إلى المعلومات
أوصت الدراسة بضرورة إعادة إحياء الحياة الديمقراطية، من خلال إجراء الانتخابات العامة، وتعزيز الفصل المتوازن بين السلطات، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الحزبية. ويتطلب ذلك تفعيل دور الأحزاب السياسية، وتحملها مسؤولياتها بجدية في إنهاء الانقسام. كما شددت على أهمية الإسراع في إقرار قانون الحق في الحصول على المعلومات استنادًا إلى التوافقات الوطنية، مرفقًا بتعليمات حكومية ملزمة لتنظيم تصنيف المعلومات العامة، وتحديد الاستثناءات على سبيل الحصر، بما يضمن أن تكون إتاحة المعلومات هي القاعدة لا الاستثناء.
كما أوصت باعتماد سياسة عامة مكتوبة وملزمة تعزز الشفافية، وتدعم انفتاح المؤسسات الحكومية على المجتمع المدني، وتنظم العلاقة بينهما، بما يكفل مشاركة فاعلة لمؤسسات المجتمع المدني في مختلف مراحل صنع السياسات العامة وتنفيذها.
وفي ظل تصاعد التحديات، أكدت الدراسة على ضرورة إدماج التأثير في السياسات العامة ضمن الاستراتيجيات والبرامج الأساسية لمؤسسات المجتمع المدني، بحيث يصبح هدفًا رئيسيًا، لا ثانويًا، على الأقل ضمن مجالات عملها التخصصية.
ولتعزيز الفاعلية، أوصت بتشجيع مؤسسات المجتمع المدني على تشكيل شبكات وائتلافات، دائمة ومؤقتة، وتطوير عملها المؤسسي من خلال تحسين آليات التنظيم، وتوضيح الأدوار، وتوسيع قاعدة التمثيل لتشمل مختلف فئات المجتمع.
كما شددت التوصيات على ضرورة وجود سياسة واضحة وملزمة تجاه المجتمع المدني تشمل جميع الأطراف، سواء تلك الخاضعة لإشراف الحكومة أو مؤسسة الرئاسة. ودعت إلى تعزيز استخدام أدوات الضغط والمناصرة والحشد المجتمعي للتأثير في السياسات العامة، إلى جانب إنشاء منصة دائمة لعقد جلسات استماع دورية مع المسؤولين عن السياسات العامة، في إطار المساءلة والشفافية.
إجماع المشاركين
وخلال النقاش، أكد المشاركون على أهمية الدراسة في تسليط الضوء على فجوة بين مستوى المشاورات القائمة وحجم التأثير الفعلي على القرارات، مشيرين إلى محدودية التأثير، وأن بعض القوانين أُعدّت دون إشراك مؤسسات المجتمع المدني بشكل فعلي، فيما تعكس المنصات الإلكترونية الحالية جدية محدودة في الأخذ بملاحظات المواطنين والمؤسسات.
كما أشار المشاركون إلى أن المنصات الحكومية متاحة للجميع، مع وجود بعض القصور، مؤكدين أهمية تعميم نتائج المشاورات داخل المؤسسات الحكومية. واستعرض المشاركون أيضا تجارب تعاون سابقة بين الحكومة والمجتمع المدني، أظهرت إمكانية تحقيق استجابة إيجابية عند وجود ضغط منظم، مع التوصية بتعميم هذه النماذج وتعزيزها، إضافة إلى الدفع لإقرار قانون الحق في الحصول على المعلومات وأهمية التوازن بين حماية البيانات وضمان حق الوصول للمعلومات.
وتناول النقاش جهود الوزارات في نشر الخطط والاستراتيجيات وإتاحة البيانات، مع التأكيد على مأسسة العلاقة مع الشركاء، وضرورة تطوير نموذج شراكة واضح بين الحكومة والمجتمع المدني على غرار الشراكات مع القطاع الخاص.
وشددت المداخلات على أن المشاركة ما تزال شكلية أحيانًا، ولا تنعكس على السياسات العامة، مشيرة إلى ضرورة مأسستها وتعزيز تأثيرها الفعلي، مع أهمية قياس الأثر الفعلي للمقترحات وتحديد نسبة الاستجابة لها لضمان انعكاسها على التشريعات والسياسات.
