قصيدة نيرفانا .. مقاربة في رؤية الشاعر(قراءة أولية) للباحث /ناهـض زقـوت
تاريخ النشر : 2015-10-16 19:55

غزة – " ريال ميديا":

إن أول ما يلفت نظر القارئ لأي عمل أدبي أو غيره، هو العنوان الذي يشكل العتبة الأولى لقراءة النص. هذا الديوان في عنوانه أثارني (نيرفانا) ما المقصود به كعنوان؟ وهل ثمة دلالات تعبيرية وجمالية يحملها العنوان؟ هل ثمة علاقة بين العنوان وقصائد الديوان؟ تلك الأسئلة وغيرها، دفعتني للبحث في معنى ودلالة كلمة "نيرفانا"، وعملنا على إسقاط المعنى والدلالة على القصيدة التي تحمل عنوان الديوان.

"نيرفانا" في اللغة العربية تخضع لقانون التورية، فهي ذات بعدين، البعد القريب هو اسم فتاة، حيث نجد كثير من الفتيات يحملن هذا الاسم. والبعد البعيد هو المصطلح الفلسفي المستمد من بيئة غير عربية.

نيرفانا" هي مصطلح فلسفي مرتبط بالديانة البوذية، ويعني حالة الخلو من المعاناة. أو هي حالة الانطفاء الكامل التي يصل إليها الإنسان بعد فترة طويلة من التأمل العميق، فلا يشعر بالمؤثرات الخارجية المحيطة به، أي أنه يصبح منفصلا تماما بذهنه وجسده عن العالم الخارجي، بهدف شحن طاقات الروح ليبتعد الإنسان بهذه الحالة عن كل المشاعر السلبية من الاكتئاب والحزن والقلق.

لهذا "فالنيرفانا" في بعدها العميق هي بحث الإنسان عن السعادة المطلقة، تلك السعادة بمعناها اليوتوبي الخالد، التي كانت وما تزال تؤرق الإنسان منذ بدء الخليقة، دون أن يجد لها طريقا عابرا، أو إمكانية للتحقيق، كونها تبدو واحدا من المستحيلات. مما يضع الإنسان المؤرق والمعذب في حالة من اللاتوازن مع كل الأشياء المحيطة به، بدءا من ذاته، انطلاقا إلى العالم الخارجي.

نيرفانا في القصيدة:

إن العديد من الكتاب والأدباء وظفوا هذا المصطلح في كتاباتهم وإبداعاتهم بما يتفق ورؤاهم الأيديولوجية، فالبحث عن السعادة ليس طريقا واحدا، فالكل يبحث عنها بطريقته، تلك هي الفكرة الجوهرية لفلسفة مصطلح النيرفانا.

الشاعر رياض أبو رحمة، هو أيضا وظف النيرفانا في قصيدة تعد الأطول في الديوان، وهي مفتتح الديوان وعنوانه. جاءت القصيدة في (299) مقطعا شعريا موزعة على (14) لوحة، كل لوحة تحمل دلالة تعبر عن الحالة الشعورية التي تنتاب الشاعر.

يفتتح الشاعر القصيدة بحالة من التجلي الصوفي، الغارق في نشوة الإيمان التي توصله إلى تمني لقاء القدوس، لأن "الروح تغادر قمقمها" من شدة الألم، فهو قد وصل إلى حالة من الانطفاء/ الهم/ السقم/ وليس ثمة من خلاص إلا بالسعي نحو الموت برضى الخاطر، فالنفس لم تعد تحتمل الهم، ولكن حالة من توهج الإيمان تعيد الذات إلى النور.

الروح تغادر قمقمها / قد تاق الموجد للقاء / فمتى يغمرني القدوس / كلا / يتوهج نور الإيمان

إن وجع الصوفي العتيد له أسبابه، وهذه الأسباب تعود إلى البدايات الأولى لنشأة الكون، وهنا يستحضر الشاعر بداية الأسطورة لكي يشكل منها بدايات عذاب الإنسان، وتتمثل حين أغوت المرأة الأولى رجل الغاب "انكيدو". تقول الأسطورة السومرية أن "انكيدو" رجل الغاب المتوحش المعادي للتمدن، أغوته امرأة اسمها "شامات" ونجحت في إغوائه وجعلته خاضعا لسيطرتها، ولكن انكيدو حين يصادق جلجامش، لم يتخلى عن سيرته الأولى في القتل والتوحش.

ومن هذه الرؤية الأسطورية يستحضر الشاعر رؤياه لعذاب الإنسان، حيث يقتل "انكيدو" في الأسطورة، ومنذ ذلك التاريخ يتواصل الدم:

انكيدو .. انكيدو / هيا فالتاو إليها / يا من ستصار إليه / انساب البشر/ يا من ستسيل دماه / من ذات الثقب الرعاف /  بغدير دمانا

يوجه الشاعر خطابه نحو "نيرفانا" قائلا: "أحياك غريبا حتى الموت" شاعرا بالغربة وبالألم وبالقهر، تلك هي الحياة التي يحياها، حتى يصل به الألم والحزن إلى أبعد مدى "يتعاظم حزني كالسافانا". ولكنه في ذات الوقت يعبر عن حالة الذات في بعدها الزمني حيث يتواصل الهم، ويتساءل "هل ننجو"؟ تلك هي حكمة الشاعر التي يريد بها أن يصل إلى بر الأمان ليس على المستوى الفردي بل على المستوى الجمعي.

يعود الشاعر إلى الطبيعة الأولى لكي يستحضر الرمزية البدائية، حين كان الحيوان يصطاد الحيوان بفعل الغريزة التي شكلها الباري له، ولكنه يدخل في السؤال الاستنكاري "ماذا لو كان الفهد .. الظبي / إنسانا"، تلك هي ثنائية الصراع. هذا السؤال يعبر عن الواقع المعاش الذي يحياه الشاعر، كأنه يقول: هل يصبح الإنسان حيوانا؟.

ويغوص في البدائية أيضا ويقدم صورة الإنسان الأولى حين كان يرقص حول النار مستخدما الطبل لكي يطرد الأرواح الشريرة، تلك الصورة البسيطة لحياة بسيطة، إلا أن هذه الصورة تزيد من غله بسبب حالة العجز التي يحياها، وهنا يأتي سؤال الشاعر أيضا المعبر عن حالة شعورية متعلقة بواقعه المعاش تبحث عمن يطرد من وطنه الغارق في الدماء، الأشباح والأرواح الشريرة التي لوثها الشيطان فبدت كالصخر لا حياة فيها.

ويستمر الشاعر في استحضار الرموز والدلالات لكي يعمق فكرته عن حالة واقعه، فيأتي الطوفان كحالة رمزية واقعية، فالطوفان كرمز ديني يغرق الكون بالمياه، أما طوفان زمن الشاعر يلون وجه الدنيا بالأحمر القاني/ الدماء.

          إن رؤية الشاعر تعكس في جوهرها هموم الإنسان، الواقع الذي يعيشه والماضي الذي يسكن بداخله، الحاضر بكل إخفاقاته وطموحاته، والمستقبل الذي يحاول بناءه عن طريق الحلم – الشعر. لذلك كانت العودة إلى التاريخ، إلى أحداثه، في أبعادها الأسطورية. ثم كان استحضار هذه الرموز ليخلق لها المبدع واقعا في تجربته الشعرية.

          إن ديوان الشاعر، وخاصة قصيدة نيرفانا، عبر عن ثقافة عالية يستمد منها شاعرنا مكونات نصه، ويوظفها في خدمة النص الشعري. كما عبر نصه عن قدرة فائقة على التقاط الحدث وإبرازه بصورة جمالية تكشف عن امتلاك الشاعر للغة والصور المجازية والبلاغية والإيحائية التي تعمق المعنى الشعري, وتثير في القارئ حالة من الإدهاش والتأثير، وتجسد لجماليات التشكيل الشعري.

فإذا كان شاعرنا يستحضر الرمز/ الأسطورة ويوظفهما في خدمة نصه ويعبر بهما عن حالات القهر والعجز التي تنتابه. فقد جاءت لوحاته الشعرية في قصيدة "نيرفانا" صورة معاكسة للأسطورة، هي صورة الواقع بكل ما يحمله من هموم ونكبات ودماء، صورة تتجلى من الألم الخاص إلى الألم العام، إنه الوطن:

يا بسمة وجه عربي / يألق بشرا إذ يلقانا / يا نسمة روح الحلاج / تتهادى توقا .. / أملا يحيانا / يا أجمل أنخاب الكون / ستفيض على الدنيا / حسنا .. ودا .. إيمانا / سأصلي لله سلاما

إن لوحات الشاعر ال14 عبرت عن حالة الوطن والإنسان الفلسطيني في داخل الوطن، و"نيرفانا" في حالتها الروحانية كانت حاضرة في كل اللوحات، فهي تعبر عن تجاوز دورة الموت والولادة الجديدة، والانتقال إلى شكل واقعي مختلف.

- نجد في لوحة (5) تعبير عن معاناة الأقصى "خطر .. أشباح .. سيل دماء"، ومع هذا يدعي الثعبان ويختال سلاما. 

- وفي لوحة (6) رؤية في انقسام الوطن "سيف الحقد يشق الروحا / صدع الجرف تعمق فينا / يا وطني المقسوم أموت حنينا"، الانقسام لم يعمق الجرح فينا فقط بل وصل إلى شكل جديد وغريب ومختلف "ها ينبذ في تيه الويل أباه / ها يقتل في حد الجهل أخاه".

- ونلمس في لوحة (8) حالة من انتظار الموت الذي يترصدنا "أشلائي تتأهب / الزنانة عين ترصدني / ... / صاروخ الموت يطاردني"، هذا واقع يحياه الشاعر وكل الفلسطينيين، من الحياة إلى الموت في لحظة "سيسيل غزيرا / هذا القاني".

وإذا استكملنا قراءة اللوحات، نجد رؤى عن تدمير النفس وقتل الإنسان، والشعور بالعدم لحظة الموت/ القصف، الشعور بالعجز أمام الواقع .. أمام القدرة على الفعل.

إن الصور الجمالية التي يستمدها الشاعر من واقعه، هي تعبير عن حالة من القلق النفسي، والغربة والضياع، الذي يفجر في دواخله حالة من التمرد، تمرد على كل شيء: "سأشق غبار الدرب / وبعكس التيار أجدف / للأقداس أجدف / هيهات أبالي / إن تصفعني الأقدار / أو يشربني الخوف".

لقد وصل الإنسان/ الشاعر إلى حالة من اللاتوازن النفسي: "ما عادت تسعفني النيرفانا / ما عدنا بحدود الزمن / كوني يتحقد كوني" تشعر كأنه يصرخ بصوت عالي "نيرفانا / يا روحا تشرق في قمة / احتاجك / لا حضن حنان يجمعني".

إذا كانت "نيرفانا" في الفكر الفلسفي البوذي، البحث عن السعادة المطلقة، فهي لدى شاعرنا وفي رؤيته الكلية الوطن، فهو السعادة المطلقة، وهو الصفاء الروحي، وهو السلام الأبدي: "نيرفانا .. نيرفانا / ها أبصر كوني / يا أنت / إني أنت / وأنت سلافة كوني / يا أنت / يا أبهى خفقات الخلق / يفيض على الدنيا / لحنا .. عربيا .. صوفيا / تنشده الأيام".

لقد تميزت لغة شاعرنا بالشفافية والوضوح، فهي بعيدة عن لغة التعتيم والتهويم في سرف الوهم واللاوعي، تلك اللغة التي تلفها الضبابية القاتمة والرمزية المبهمة، فلغته ناصعة واضحة لا غموض فيها، وتعبر عن مضامينه بأسلوب أقرب فيه إلى التصريح المليح منه إلى التلميح، هذا يعني أن الشاعر ذو مهج تعبيري سلس، وقاموسه الشعري لا يحتاج إلى كد ذهني وبحث في قواميس اللغة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ناهض زقوت ،كاتب وباحث، مدير عام مركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق - غزة