فؤاد عبد النور*:
كتب مئير لتفاك:
" منذ أن انشغل الفلسطينيون في عملية بناء وطنهم كأمةٍ في السنة 1920, فإنهم لا يزالون في خضم الكفاح الوطني, وبالتالي فإن المؤرخين الفلسطينيين باللغة العربية – إن كانوا رسميين, أكاديميين, أو مؤرخين شعبيين – يمكن اعتبارهم كمؤرخي تعبئة. بكلمات أخرى فإنهم لا يزالون في مرحلة عدم الانتقاد, ويتجاهلون انعكاس الواقع على كفاحهم, بحيث لا تُـقبل ولا تُعرض سوى ما يناسب قواعد الهدف الوطني المقرر. "
----------
ينتقل إلياس نصر الله في هذا الاستعراض إلى القدس للدراسة في الجامعة طالبا في علم الإحصاء وعلم الاجتماع. وسرعان ما انسجم مع الحياة الجديدة، خاصة وقد أخذ يتعرف على من كانوا يعتبرون من سكان الضفة الغربية تحت الحكم الأردني. يصف إزالة السلطات الإسرائيلية لأحياء كاملة عربية في داخل الأسور وخارجها. وانضم إلى الحزب الشيوعي، وساهم في تأسيس فرع القدس بعد أن اصبحت القدس الشرقية تحت الحكم الإسرائيلي. وتعرف على المحامية التقدمية المدافعة عن السجناء والمعتقلين العرب ( فيليسيا لانغر ) ، التي اتخذت من مكتب الحزب في القدس الغربية مكتباً لها، وكانت تتولى الدفاع عن المعتقلين العرب مجاناً، إلى أن زادت كثيراً طلبات المساعدة منها، فأصبحت تأخذ أجرةً رمزيةً مقدارها 100 شيكل عن كل قضية. وساعدها في جهدها هذا محامين شيوعيين كبار من حيفا والناصرة مثل حنا نقارة، وعبد الحفيظ دراوشة، وعدد من المحامين اليهود اليساريين، وتدرب في مكتبها المحامون علي رافع، وليد الفاهم، وعبد العسلي، وكلهم أصبحوا شخصيات بارزة على المسرح الوطني.
أخذت فيليسيا لانغر تستعين به في بعض التحقيقات الصحفية، وتعرفه على الصحفيين الأجانب القادمين لتغطية الأحداث المتلاحقة في إسرائيل والأراضي المحتلة.
وانتشرت أخبار تبرعه لمساعدة من يحتاج للترجمة في القضايا الوطنية، فتطور الأمر إلى أن يفتتح مكتباً للترجمة والمساعدة في شارع صلاح الدين الرئيس في القدس، وتدريجيا أصبح المكتب دار نشرٍ صغيرة أهتمت بنشر كل ما ممنوع وصوله إلى إسرائيل بسبب المقاطعة العربية لها، وساعد المكتب في نشر العديد من إنتاج الكتاب الفلسطينيين في إسرائيل والضفة الغربية المحتلة.
وعندما تسلم الصحفي المخضرم، والمناضل الصلب بشير البرغوثي رئاسة تحرير صحيفة الفجر، نجح في جعلها الناطقة باسم الحركة الوطنية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وساهم بقوة في إفشال المخططات الإسرائيلية لإنشاء الإدارة المدنية بالتعاون مع النظام الأردني، بأمل إرجاع الأردن لمسؤولية حكم الضفة الغربية، وذلك عن طريق إجراء انتخابات للبلديات والمجالس القروية. فقررت الجبهة الوطنية في الضفة الغربية وقطاع غزة دخول هذه الانتخابات، رغم دعوة منظمة التحرير لمقاطعتها كلية. الصحيفة الثانية الواسعة الانتشار – صحيفة القدس - التي كان من الممكن لها أن تساهم في الحملة لإفشال الإدارة المدني فضلت البقاء على ولائها للأردن، فتلقى صحبها محمود ابو الزلف عدة تهديدات، وحرقت سيارته . لم تستمع الجبهة الوطنية لموقف منظمة التحرير، واستمرت في حملتها الانتخابية، وكان هذا أول إشارة خطر للمنظمة أن المناطق المحتلة من الممكن لها أن تستقل في قراراتها السياسية، ودون انتظار التعليمات من الخارج. ومن الممكن أن يكون هذا الدرس قد وعته المنظمة وعرفات جيداً، فاسرعوا لاحتواء الانتفاضة الأولى في الضفة وقطاع غزة، ومن وراء الوفد الفلسطيني الممثل لقيادة الانتفاضة الموحدة في مؤتمر مدريد، فسلقوا بسرعة اتفاق أوسلو، حتى يتمكنوا من الامساك بزمام الانتفاضة ، وينجحوا بشكلٍ من الأشكال في العودة إلى الأراضي المحتلة، مهما كان جوهر تلك العودة، دون أي اعتبار للإنجازات الهائلة للإنتفاضة الأولى.
تزامن نجاح مرشحي الجبهة الوطنية في الانتخابات المحلية مع يوم الأرض، فدقت أجراس الإنذار في الدوائر الاستعمارية والرجعية العربية، واعتبروا الفجر والحزبان الشيوعي الأردني – قبل انفصال الجناح الفلسطيني - والإسرائيلي مسؤولان عما تم ويتم. وبدأت حملة مركزة في الصحافة الإسرائيلية والصحافة الرجعية العربية تتهم الشيوعيين بإثارة المشاكل، وأن المنظمة قد سمحت بذلك، متناسية أن النشاط السياسي كانت تقوده الجبهة الوطنية في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولم يكن الشيوعيون وحدهم في تلك المعركة. فشكى الملك حسين لحافظ الأسد عنما توقف الأسد في طريقه لحضور الاجتماع المصغر للقمة العربية الذي انعقد في الرياض على مدى ثلاثة أيام من من 16 -18 تشرين 1976، اشتكى من أن عرفات قد سلم الضفة الغربية للشيوعيين، لتفسير انهزام رجاله - أنصار المملكة - في تلك الانتخابات.
واستشهد هنا حرفيا بما جاء في كتاب إلياس نصر الله هذا في الصفحة 446:
" حدثني إميل حبيبي أنه حضر اجتماعاً جرى مع ياسر عرفات في إحدى الدول الاشتراكية تحدث فيه عرفات عما جرى في تلك القمة المصغرة ، حيث قال أنه ما أن دخل إلى مكان اجتماع القمة السداسية في الرياض حتى انهال عليه قادة الدول الخمس الخاضرون لوماً وتانيباً متهمين إياه بأنه سلم الضفة الغربية إلى الشيوعيين. فحاول عرفات الدفاع عن نفسه أمامهم وقال بأنه قد عارض مشاركة فلسطينيي الضفة الغربية في الانتخابات، وأن الملك حسين بن طلال، ملك الأردن، هو الذي اراد الانتخابات بالاتفاق مع الإسرائيليين ، طمعاً بفوز أعوان الأردن وإسرائيل. .. "
أكثر من هذا لم يصرح عرفات. ولكن بالإمكان تقدير ما بحث وما تم الاتفاق عليه. أولا قررت السعودية السماح للعرب الفلسطينيين في الجليل والمثلث والنقب بالحج، بجوازات سفر من الأمم المتحدة، لبث العقيدة الوهابية بين الحجاج، لنشرها في الداخل مع الكثير من الدعم المادي لمقاومة التاثير المتصاعد للشيوعيين في قيادة المقاومة لفلسطينيي الداخل والضفة الغربية. وقرار طرد الشيوعيين من تحرير الفجر. والذي نُفذ في الواقع كان طرد جميع الصحفيين، دون تعويض، بحجة توقف الصحيفة عن الصدور لحين تركيب ماكنات الطباعة الجديدة المستوردة من ألمانيا. وتبين مع الأيام أن الفجر قد اصبحت تابعة لمنظمة التحرير، وصحفييها الجدد من فتح، وتم الترخيص لعدد من المجلات الأخرى مهمتها تلميع صورة عرفات، وتمهيداً لدخوله – غير المُظفر – للأراضي الفلسطينية المحتلة في اتفاق يطبخ على نار هادئة في الكواليس السرية.
( كنت على علاقة ثقة طيبة مع مطبعة أوفست في الرام، وأخبرني صاحب المطبعة أنه حضر بنفسه اجتماعاً مغلقا لموفد خاص من المنظمة قدم 150 ألف دينار لرئيس تحرير مجلة أدبية في القدس تطبع في هذه المطبعة، ورغب الرسول في وجود شاهدٍ على ذلك التسليم مقابل بيعها لعرفات. فهمت ساعتها السبب في شكوى الشاعر حنا حوشان قبل قتله على يد لص اقتحم بيته، بأن عرفات قد سرق مجلتهم الأدبية منهم. فؤاد.)
*باحث فلسطيني مقيم في برلين:
الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها وليس بالضرورة أنها تعبر عن الموقف الرسمي لموقع " ريال ميديا "
دراسة في كتاب" شهادات على القرن الفلسطيني الأول"( 1 من 4 )
http://www.prealmedia.com/ar/?Action=Details&ID=11130
