السبت 17 اكتوبر 2026

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.03 3.05
    الدينــار الأردنــــي 4.28 4.3
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.45 3.47
    الجـنيـه المـصــري 0.057 0.059

ناصر عطا الله يبحر في أمواج سليم النفار!!

  • 14:04 PM

  • 2026-08-18

قراءة / د . عبد القادر فارس .
عندما أرسل لي الصديق والزميل ناصر عطاالله ، الشاعر والكاتب المثابر ، مخطوطة كتابه الموسوم " صائد الموج – سليم النفار " ، للاطلاع على هذا المنتوج الأدبي ، الذي يضج بالوفاء لصديقنا المشترك ، وزميل الحرف والكلمة ، ورفيق رحلة النضال الثوري ، وطلب مني إعطاء الرأي فيما كتبه من سرد عن حياة سليم وعلاقة ناصر الأخوية والعائلية والنضالية والأدبية بينهما ، قلت له أمهلني بعض الوقت كي أتمتع بما كتبت ، وأنت تعلم مدى العلاقة التي تربطني بسليم ، وقد فتحت علي جرحا ما زال نازفا منذ رحيل سليم المأساوي ، ومع أول صفحة من القراءة اتصلت بناصر ، واستفسرت منه إذا ما كان الكتاب مدققا لغويا ، فأجاب نوعا ما ، وأنه لا زال يراجع ما به من أخطاء ، فقلت له اتركه لي للتدقيق ، لأنني أريد أن أكون معكما في هذا الكتاب ، وأمسكت الكتاب عند الساعة السادسة مساء ، وانتهيت من تدقيقه عند منتصف الليل تماما ، وهو أول كتاب أقرأه بهذه السرعة وبهذا العدد من الصفحات ، وخاصة مع التدقيق ، رغم مشاكل النظر ، وما يحتاجه ذلك من قراءة الصفحات كلمة كلمة ، وحرفا حرفا ، حتى يخرج الكتاب بما يليق  بالكاتب وصاحب الكتاب الشهيد سليم .
في صباح اليوم التالي ولفرق التوقيت بيننا ، وجدت رسالة من ناصر ، يخبرني فيها ألا أتعب نفسي كثيرا في التدقيق ، لأنه استطاع اكتشاف الأخطاء وقام بتصحيحها ، وفور استيقاظي اتصلت به ، وأخبرته أنني دققته ، فطلب مني مراجعة ما وجدته ، مع ما عثر عليه ، وبقينا لساعتين ونصف الساعة عبر الواتساب، في المراجعة هاتفيا ، إلى أن أكملنا تصحيح وتدقيق الكتاب ، لأنه أخبرني أن شربل إلياس من مكتبة " كل شيء " في حيفا ، يطلب منه الإسراع في إرسال المخطوطة اليوم ، وأنا مستمتع بالعودة لقراءة الكتاب للمرة الثانية خلال أقل من 24 ساعة .
الآن نعود لموضوع الكتاب والكتابة ، بعد أن قررت الغوص في الكتاب في قراءة " غير نقدية " بما أسعفتني فيه المقدرة على الكتابة ، بما يوفي الكاتب وصاحب الكتاب حقهما ، حيث سرد حكاية سليم ، استخدم ناصر  وهو الشاعر والصحفي ، لغة سردية شاعرية ممتعة ليس فيها أي تعقيد للمتلقي ، وهو يعلم أن القارئ سيكون مثقفا ، أو  بدرجة أقل  قارئا عاديا ، وتعود جمالية الكتابة إلى خلفية ناصر كونه في الأول شاعرا ، فعندما يكتب الشاعر رواية أو نصا أدبيا ، تشعر أن اللغة تنزاح إلى جانبه وتنحاز له ، وهذا حال الشاعر المبدع ناصر عطاالله .
في التصنيف الأدبي للكتاب ، لم يشر ناصر إلى أنها رواية ، أو أنها متتالية قصصية لحكايات سليم ، وقد احترت أنا كذلك في أي صنف أدبي أضعها ، وإن كنت أرجح لها رواية في السيرة الذاتية ، جمعت سيرة صاحب الكتاب " سليم " ، وصديقه ورفيقه وزميله الكاتب ناصر  ، على أي حال فإنني أريد أن أغبط ناصر على هذا الإصدار ، لما فيه من استرجاع لسيرة سليم ، وهذا الوفاء المنقطع النظير  ، وهذه القراءات المتتالية في الكتاب من الأصدقاء والزملاء ، ممن رافقوا سليم وناصر هذه المسيرة النضالية والحياتية والأدبية .
بالعودة للقراءة ، وبداية بالعنوان حيث أحسن ناصر الاختيار ( صائد الأمواج ) وهو يعلم علاقة سليم بالبحر والأمواج ، وقد أحسن مصمم الغلاف الأستاذ شربل إلياس ، حين وضع سليم وسط هذه الأمواج المتلاطمة ، التي عاشها سليم في حياته ، ثم اختيار الكاتب لبيتين من الشعر للشاعر  والعلامة الفلسطيني " مرعي يوسف الكرمي " ابن مدينة طولكرم ،  مشيرا بذلك إلى بقاء سيرة صاحب الكتاب قائمة لا تزول ، يُذكر بالحُسنِ والرفعة في قوله :
لعمري رأيتُ المرءَ بعد زوالهِ * حـديثًا بـما كان يـأتي ويـصنعُ
فحيثُ الفتى لا بدّ يُذكر بعدَهُ * فذكراهُ بالحسنى أجلُّ وأرفعُ
ثم قام ناصر بوضع مفاتيح ، لما يمكن أن تكون فصولا  للكتاب،،الموجة الأولى من الكتاب جاءت معنونة بــ " ليست البداية " ، التي  من المألوف  أن تكون المقدمة أو البداية ، وبذلك وضع المتلقي في شغف القراءة بهذا العنوان ، يصف فيها الكاتب رحلة سليم وترحاله ، ومحاولته النجاة من " الطوفان " الذي أخذ يبتلع المدينة ، متنقلا من مكان لآخر أكثر أمناً ، ولكن هيهات ، فالصواريخ وقنابل الطائرات ، وأطنان المتفجرات ، تحيل كل ما هو قائم إلى دمار ورماد ، تلبية لحقد من عدو أقام دولته بسفك الدماء وزرع الموت في كل مكان من أرض فلسطين ، تلبية لــ " سفر التثنية " في توراتهم الأسطورة والمزعومة بالقول :"لا تبقوا نسمةً حيةً فيهم". فكان هذا الدمار والموت للبشر والشجر ، وتدمير الحجر .
تسعون يوما كانت رحلة سليم للنجاة ، لكن الموج كان عاليا ، والموت كان حاضرا ، حين سحقت الصواريخ البناية التي كان يحتمي بها سليم وعائلته ، وشقيقه سلامة وعائلته ، لتحيلهم إلى ذكرى شهداء ، ينتظرون ، أن يضمهم قبر يليق بهم ، بعد أن تم شطبهم من السجل المدني .
في الموجة الثانية " أنياب البحث " ، المشهد أكبر من أن يوصف ، ونداء ناصر لم يصل لسليم " أين أنت يا سليم ،، طمني عليكم " ، وهي نفس رسالتي الأخيرة لسليم عبر الماسينجر ، لكن لا من مجيب ، إلى أن جاء الخبر اليقين والحزين ، سليم شهيدا ، يلحق بوالده الشهيد مصطفى " أبو سليم البحرية " ليس ذلك فقط ، بل مصطفى الحفيد اليوم أيضا أمسى شهيدا ، مع والدته أم مصطفى ، والشقيقات الثلاث ( ليلي ، لمى ، جمانة ) ، ومعم العم سلامة وزوجته وأبنائه الستة ،، يا لهول المشهد الذي أبكانا جميعا يا ناصر.
يومها كتبت لك يا سليم تحت عنوان : " برتقال يافا ما زال بانتظارك يا سليم " وقلت لك : " لا أدري كيف أنعيك أو أرثيك أخي وصديقي وزميلي ورفيق الدرب ، الشهيد ابن الشهيد ، الشاعر المبدع ، الحبيب الإنسان طيب القلب " سليم مصطفى النفار " ، منذ أيام ونحن نحاول أن نداري الخبر ، فكل الأصدقاء والزملاء يتساءلون : ما هي أخبار سليم ، وكأننا لا نريد أن نؤكد سبب الغياب."
الوصف كان مبكياً حد النشيج من ناصر حين يقول : " سليم مات؛ مات سليم وعائلته، كأنّ السماء وقعت على جمجمتي، والأرض تحولت إلى مكبس شديد الضغط، هشّمت رأسي، وياقة قميصي صارت كأنّها سيف يجزُّ رقبتي، كدتُ من فرط الفاجعة أن أفقد وعيي لولا إجهاد بليغ طرحته فيَّ أيامي السابقة بحثًا عن معلومة أو خبر عن سليم".
في الموجة الثالثة ، يعود الكاتب إلى البدايات ، بعنوان " البداية " ، وهو الفصل الذي يشرح علاقة ناصر بسليم ، الشاعر الكاتب ، والشاعر الشهيد ، وليس فقط العلاقة الثنائية ، بل تمتد للعلاقة العائلية ، فلقد جمعتهما عروس البحر يافا ، وساحل البحر الفيروزي الجميل ، قوارب الصيد ، أمواج البحر الذي عشقها سليم ، تلك الأمواج التي حملت والده من شاطئ اللاذقية ، إلى شواطئ نهاريا المحتلة لينفذ عمليته الشهيرة في تدمير زوارق العدو عام 1971 ، لكنها للأسف كانت نفس الأمواج ، التي ألقت بجثة الشهيد " أبو سليم البحرية " على شواطئ مدينة طرطوس ، حيث تسكن عائلة ناصر ،، وهنا يواصل ناصر سرد حكاية العائلتين ووجه التشابه بينهما في كثير من التفاصيل أترك للقارئ أن يتابعها من الكتاب ، كي لا أحرق تلك التفاصيل التي تثير الشجون .
هنا أريد أن أذكر فقط ، أنني كنت في ذلك الزمن الجميل ، في نفس القاعدة التي كان فيها العم " أبو سليم البحرية " في أواخر عام 1971 ، وأوائل عام 1972  ، قاعدة برج اسلام البحرية " المطلة على رأس البسيط ، حيث الشمال السوري القريب من الحدود التركية ، لكنني لم أمكث طويلا وعدت إلى منطقة "الهامة " بضواحي دمشق ،  للعمل في الإدارة العسكرية ، وأذكر ذلك اليوم المشؤوم الثامن من شهر سبتمبر ، حين شن العدو غارات عنيفة شملت ثماني قواعد للفدائيين في سوريا ولبنان ، ردا على عملية " ميونيخ " ، من بينها " برج اسلام " ، و" المنطار " بطرطوس ، وكنت حينها في إجازة ببيروت ، وعدت فورا ، لأجد الدمار وأشلاء الشهداء في معسكر الهامة ، والإدارة العسكرية ، وبدأنا بإحصاء الشهداء ، ويذكر ناصر أن من بينهم شقيقه الأكبر جهاد ، في قاعدة المنطار بطرطوس ،، يومها فقدت الكثير من الأصدقاء والرفاق ، من بينهم الشهيد حسين محمود صادق ( نضال ) الذي تربطني به القرابة والنسب وابن البلد خانيونس، والفدائي الشجاع ابن حي الشجاعية ، المعروف باسمه الحركي ( الشجاعي ) ، وأبو عادل ، وأبو الأدب ، والفسفوري ،، وغيرهم من الشهداء بالعشرات ، الذين رافقتهم سواء في "برج اسلام"  أو " الهامة " أو غيرهما . غير أن "أبو سليم" أفلت من الموت ذاك اليوم ، لتصطاده طائرة في عرض البحر وهو يُعِّد لدورية جديدة للعودة إلى شاطئ يافا ، لكن أمواج البحر أعادته إلى شاطئ طرطوس شهيدا ، يدفن في مقبرة الشهداء في أرض مخيم الرمل باللاذقية.
في الموجة الرابعة ، التي جاءت بعنوان " مشقة مبكرة " حيث يشرح ناصر وينقل عن سليم عمله الشاق في منجرة ، ثم في مطبعة ، وهو يذهب مشيا على الأقدام من مخيم الرمل الى مدينة اللاذقية التي تبعد أربعة كيلومترات ليعمل بليرات قليلة ، في مساعدة لوالدته في تربية إخوته الصغار . 
بعد ذلك يواصل ناصر شرح علاقته بسليم التي بدأت تتكامل منذ أول لقاء بينهما في وزارة الثقافة ، والتعارف والتذكير بعلاقة الأهل في سوريا ، وتتعمق بين الشاعرين ، ويشرح ناصر ما كان يعاني منه سليم من مشقة وتعب في رعاية والدته الأم الصابرة الصامدة التي أصابها المرض العضال ، وهو الذي يعلم علاقة سليم بوالدته التي يخشى عليها من نسمة هواء باردة ، ويواصل ناصر وصف حياة سليم في غزة ، حيث ظل يتنقل في بيوت الإيجار ، ولم يحظ كغيره من أبناء الشهداء بملكية بيت يسترهم .
بعد ذلك ينقل لنا ناصر شغف سليم بالبحر ، حيث الهروب إلى شاطئ البحر ، يقابل أمواجه يحادثها ، وهي التي حملته من مخيم الشاطئ وهو طفل لم يبلغ الخامسة من العمر ، إلى شاطئ اللاذقية البعيد ، ثم حملته تلك الأمواج إلى ميناء طرابلس الليبي ، ثم إلى ميناء بورسعيد ، قبل العودة عبر معبر رفح ، في رحلة " عودة عوليس " ، إلى شاطئ بحر غزة من جديد ، والتي كتبها في رواية " هذا ما أعنيه " ، التي نسي ناصر ذكرها ، وهو في استعجال لنشر هذا الكتاب ، وقد أفسحت لها أنا قراءة مطولة في كتابي النقدي الذي سيصدر قريبا ،، يجلس سليم ما بين مقهى " ديليس " حيث ملتقى الأدباء والشعراء ، ومنتدى وزارة الثقافة ، والهروب لشاطئ البحر ، يحرق سجائره بشراهة ، محاولا حرق الهموم والمشقة والأحزان .
في الموجة الخامسة التي جاءت بعنوان " بين منفيين " ، يواصل الكاتب بث سيرة سليم ، فمع تفتح سليم ونضجه السياسي والعلمي والأدبي ، كان عليه ترك اللاذقية مُيمماً وجهه نحو لبنان ، حيث التواجد الفدائي وقواعد ومؤسسات منظمة التحرير ، مع بداية الاجتياح الإسرائيلي في حرب عام 1982 ، لكن الحصار وصل بيروت ، ولم يستطع الوصول ، حيث التحق بإحدى قواعد حركة فتح في الشمال ، كيف لا وهو ابن الشهيد الفتحاوي ، وخريج معسكرات الأشبال الفتحاوية ، ثم عاد على حضن أمه التي كانت في قلق شديد عليه ، وهناك التحق بجامعة تشرين في اللاذقية ، لدراسة الادب العربي ، لكنه أنهى العام الدراسي الثاني فقط ، وهناك التحق بجبهة النضال الشعبي الفلسطينية ، بقيادة القائد سمير غوشة ، الذي كان سليم معجبا بشخصيته ونضاله ، وهنا يذكر ناصر ، أنه حاول معرفة لماذا انتقل سليم من حركة فتح إلى جبهة النضال ، ولم يفلح في معرفة ذلك رغم ( الهمز واللمز كما قال) لكنني علمت من سليم أنه بعد حرب المخيمات في شمال لبنان ، وملاحقة أجهزة الأمن السورية والمنشقين لأبناء حركة فتح ، قرر سليم الاحتماء بجبهة النضال ، وظل وفيا لها ، وعندما عادت قوات الثورة ومنظمة التحرير لإقامة السلطة الوطنية في الأراضي الفلسطيني ، ظل ملتزما بجبهة النضال ، واصبح مسؤولا للإعلام والثقافة فيها .
الموجة الخامسة كانت بعنوان " الرجوع إلى ريحانة الموج " وفيها يشرح ناصر تعلق سليم ووالدته بغزة ، فبعد استشهاد زوجها عادت أم سليم لزيارة غزة مرتين عامي 1975 ، و 1977 ، غير أن المستقر ظل في مخيم الرمل قرب اللاذقية إلى حين العودة لغزة الحلم الدائم لسليم وأهله ، حيث الميلاد والميعاد .
ويواصل الكاتب هنا شرح علاقته بسليم ، التي تعمقت منذ أن تعرف عليه في وزارة الثقافة بغزة ، ثم اللقاءات والمنتديات الثقافية والأمسيات الشعرية ، حيث عاشا الظروف المتشابهة والمتشابكة في المشهد الثقافي والنضالي ، مواصلة لوصية الشهيدين الوالدين.
ظل سليم في اشتياق لمخيم الرمل واللاذقية حيث الأصهار وأصدقاء الطفولة ، وزملاء المدرسة والحارة ، وكان له ذلك عام 2006 ، رفقة زوجته وابنته الصغرى جومانة ، وعاد من الرحلة فرحا منتشياً ، محدثا من التقاهم في " غاليري غزة " حيث ملتقى المثقفين من الأدباء والكتاب والشعراء  والفنانين ، عن رحلته الممتعة لسوريا ، لكنه حذر في نفس الوقت ، بحسه الأمني ووعيه السياسي ، من الأوضاع السيئة القابلة للانفجار ، وهو ما حدث بعد ذلك بأقل من خمسة أعوام. وهنا لا بد أن أشير ، إلى رحلتنا مع جمعية الأخوة الفلسطينية – اللبنانية ، عندما كنت أنا نائبا لرئيس الجمعية الحاج أبو ناصر النعراني – رحمه الله - إلى لبنان عام 2003 ، عندما شكلنا وفدا ثقافيا ، اصطحبنا فيه الروائي الراحل غريب عسقلاني ، والكاتب رجب أبو سرية ، والشاعر سليم ، حيث طاف الوفد في مدن بيروت وصيدا وصور وطرابلس ـ، لإحياء أمسيات ثقافية ، كان فيها سليم متألقا بأشعاره الوطنية ، ومما زاد سليم فرحة بهذه الرحلة ، وصول شقيقته سلام من اللاذقية ، وكان اللقاء حميما ، بعد نحو عشر سنوات من الافتراق منذ أن غادر سليم لبنان عام 1982.
ويواصل الكاتب رحلته في كتاب " صائد الموج "  ، مع الموجة السادسة ، التي وسمها بعنوان " في غزة ولكن .. " الغوص في عادات سليم في المدينة التي ولد فيها ، وغادرها طفلا ، وعاد إليها شابا ، حيث كان يحب المشي في شوارعها صباحا ، والجلوس  قبالة  ساحلها مساء ، أحب غزة مثلما أحب يافا ، بعد أن كره العيش في المنافي ، واذكر حين سافر إلى إيرلندا للمشاركة في لقاء للشعراء ، في عام 2013 ، على ما أعتقد ، أنني قلت له اطلب اللجوء هناك ، لأن العيش في غزة أصبح مستحيلا ، وغزة مقبلة على مستقبل أسود ، وعندها قال لي : فكرت بذلك ، ولكن كيف أترك والدتي المريضة ، وزوجتي وأبنائي ، وأنا لا أعلم متى يمكن أن يلتحقوا بي ، وعاد إلى غزة ، قبل أن يُسر لي بعد حرب 2014 ، أنه نادم على عدم لجوئه إلى إيرلندا أو أي بلد آخر .
في الموجة السابعة التي كانت بعنوان " يوم حزين " ، يصف ناصر الأحوال في الأراضي الفلسطينية ، وعلاقته بسليم ، بعد أن لف الحزن فلسطين برحيل القائد الرمز أبو عمار عام 2004 ، ومع رحيل القائد سمير غوشة الذي كان يعتبره سليم أبا روحيا عام 2009 ، وما بين الحزنين عاش ناصر وسليم الحزن الأكبر بعد الانقلاب الذي نفذته حركة " حماس " في غزة في صيف عام 2007 ، وما جرى بعد ذلك من أحداث مؤلمة وانقسام الساحة الفلسطينية ، وما وصلنا له بعد ذلك إثر الطوفان المتواصل .
الموجة الثامنة وسمها ناصر بعنوان " الثقافة كبرى بوابات الحياة " ،، وفي هذا المجال يشرح الكاتب ما وصلت إليه الأحوال الثقافية في قطاع غزة ، من انتشار حالة التدين ، التي يقول إن سليم لم يكن ضدها ، ولكنه كان ضد التطرف ومظاهر التدين والمتاجرة بالدين ، شارحا تراجع مؤسسات الثقافة ، والصراع الدائر بين ثقافتين تتصارعان لامتلاك المؤسسات الثقافية في غزة ، ما بين الروابط والاتحادات والمراكز الثقافية .
كان سليم وحدويا وحزينا لما أحدثه انقلاب حماس ، وقد تعرض للإيذاء بسبب موقفه ذلك ، ويذكر ناصر أن سليما ، خرج وحده في ساحة الجندي المجهول مقابل المجلس التشريعي ، مطالبا بالوحدة الوطنية وإنهاء الانقلاب .
بعد ذك كان سليم يهرب إلى ملاذه المحبب على شاطئ البحر ، يبث له همومه ، ووسط هذه الهموم جاء الفرح ، عندما أقرت وزارة التربية والتعليم في رام الله قصيدته " يا أحبائي " في منهاج الصف التاسع عام 2017 .
في الموجة التاسعة التي عنونها الكاتب بــ " بوح متأخر " ، يقدم لنا قيام سليم بإصدار روايتين في السيرة الذاتية عن حياة سليم في اللاذقية ، الأولى " فوانيس المخيم " عام 2017 ، والتوأم في الرواية الثانية " ذاكرة ضيقة على الفرح " ، ولو أن ناصر تذكر رواية سليم الأولى " هذا ما أعنيه " ، لاكتملت الثلاثية في السيرة الذاتية للشهيد سليم .
في الموجة العاشرة التي جاءت  بعنوان " الأبوة " ، يقدم لنا الكاتب صورة سليم الإنسانية في كنف العائلة ، للأم التي أصبح في ظرف قصير ، بعد استشهاد الزوج ، تقوم بدور الأم والأب والراعية لأبنائها الأربعة ، الذين أكبرهم سليم بعشر سنوات ، وأصغرهم طفلة ما زالت بأسنان اللبن ، ثم سليم بعد تكوين الأسرة ، الزوجة ، والابن مصطفى ، والبنات الثلاث ليلى ولمى وجمانة ، واللائي لم يبخل عليهن بالتربية الصالحة مع الأم والزوجة ، وكتب فيهن أجمل الأشعار ، وظل يحلم بهم في الوصول إلى مصاف العلم ، والتربية الحسنة ، لكن لم يسعفه الوقت ومضى الجميع شهداء ، بعد ان سبقتهم ليلى الكبيرة الأم شهيدة المرض العضال ، بسبب فقدان الدواء والعلاج في غزة المحاصرة .
الموجة الحادية عشرة ، كانت بعنوان " الصداقة وفاء " ، وفيها يشرح الكاتب علاقة سليم بأصدقائه ورفاقه وزملائه ، التي كانت تتسم بالصفاء والوفاء ، رغم أنه كان شديد الغضب إذا ما أساء إليه بعض الأصدقاء ، لكنه لا يضمر الحقد لأحد ، وإذا ما تملكه الغضب يذهب منفردا ويحرق نصف علبة دخان ، ويذكر ناصر أنه اختلف يوما مع سليم وتقاطعا لفترة ، لكن سرعان ما عادت المياه إلى مجاريها ، وأنا أؤكد بصفتي أحد الأصدقاء المقربين من سليم ، والذي سكن مقابل بيتنا في منزل " أبو أشرف الغلاييني " مقابل مطعم العافية بحي النصر في مدينة غزة ، ولم يفصل بيننا سوى شارع بعرض ثمانية أمتار ، أنه لم تقع بيننا أي هفوة ، كان ودودا خلوقا هادئا ، متواضعا يقدم لي كل قصيدة يريد أن ينشرها ، لمراجعتها وتدقيقها ، مقدما الشكر بكل امتنان .
اليوم أصدقاء سليم يذكرونه بعد قراء كتاب ناصر " صائد الأمواج " ، وقد سبقني في الكتابة كل من الرفيق وليد العوض ، والأخ شفيق التلولي ، والكاتب حمزه البشتاوي ، الذي طالما   كان يحدثني عنه سليم ، وكذلك باقي الأصدقاء كان سليم يشكر دائما في الشاعر مراد السوداني ، الأمين العام للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين ، وفي غزة كنا نترافق لزيارة الروائي الكبير الراحل غريب عسقلاني ، وكان قريبا من الكاتب محمد نصار ، والشاعر فايق أبو شاويش ، وناهض زقوت ،، وغيرهم من الأصدقاء الأوفياء .
كان سليم رقيق القلب ، يحزنه فقدان أي صديق ، وهذا ما يورده الكاتب يوم رحيل أحمد دحبور ، وأحمد يعقوب ، وكم كان حزينا يوم رحيل محمود درويش ، الذي كان يقول عنه إنه مثله الأعلى وأستاذه في الشعر .
الموجة الثانية عشرة التي اجتاحت روح سليم ، كانت بعنوان "ليلى " ، الأم والأب ، المربية القديسة ، الصابرة المحتسبة ، القاهرة لظروفها ، التي كان آخرها المرض العضال ، الذي أنهى حياتها في عيد الأم ، مع دخول أول أيام الربيع من شهر مارس عام 2023 ، في ذكرى يوم الكرامة ، يومها شعر سليم أن السماء أطبقت على الأرض بفقدانها ، فليلى الأم لم تكن كأي أم عابرة في حياة أبنائها ، وبفقدان أمه اكتمل الحزن عند سليم ، ولم يعد محتملا للحياة بعدها ، إلى أن رحل بعدها بعدة أشهر ، وفيها كتب سليم يرثي والدته في إحدى قصائده بعد رحيلها بعنوان " لماذا تذهبين الآن " ؟! :
وحيدًا أقود الوقت
إلى راية في الأعالي
لماذا تركتِ يدي الآن
ألم نتفقْ يا حبيبة: معًا
أن نواصلَ قتالَ الليالي؟؟
ألم نتفق: أن نواصلَ نشيدَ الصعود
نحو يافا
وأحلام الفتى
ذاك الذي تعشقين
أيا مصطفى قلبَها
لم ينمْ نبض قلبكِ في وريدِ الزمان
كلما هبّ الحنين
تناديكَ ليلى بكلِ الصفات
تلك التي لم تغبْ
عن سماءِ الذكريات!!
الموجة الثالثة عشرة والأخيرة والتي جاءت بعنوان " اللقاء الأخير " يستذكر فيها ناصر اللقاءات الدائمة بصديقه الحميم سليم ، ندوات ، مناقشات ، أمسيات شعريه ، سفر إلى رام الله ،اجتماعات الأمانة العامة للاتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين ، بعد انتخابهما عضوين فيها ، والتي استمرت حتى بعد خروج سليم من عضوية الأمانة العامة ، لأسباب قال عنها ناصر بأنها حزبية تخص مقعد الفصيل ، لكن سليم ظل مهموما بالوطن وبالبحر وبالشعر ، لم يغادر المشهد الثقافي ، وعندما تم إنشاء مؤسسة معين بسيسو ، انضم لها سليم عضوا في مجلس أمنائها برئاسة الرفيق وليد العوض عضو المكتب السياسي لحزب الشعب صاحب فكرة إنشاء المؤسسة في مدينة غزة ، تخليدا لذكرى شاعر المقاومة معين بسيسو .
ثم ينهى ناصر الموجة الأخيرة ، بكلمات الرثاء الحزينة والرصينة ، المعبرة عن مدى الود والحب ، والتصاق الشاعرين ببعضهما ، كأنهما توأم ، وفيهما يصدق القول " رُب أخ لم تلده أمك "، نعي يقهر الروح ، روح سليم التي ذهبت رفقة الأهل إلى منتهاها عند من هو أحن على عبده من أمه ، في جنان الرحمن شهيدا حتى يعود الشهداء ، فهل يعود الشهداء فعلا ،، نعم ما دامت ذكراهم العطرة فهم عائدون ، وفي ذلك استذكر رواية الروائي الجزائري الكبير الطاهر وطّار " الشهداء يعودون هذا الأسبوع ".
وها أنت ترحل يا سليم دون وداع ، وأنت تكتب بالدم «سفر الرحلة» الأخير، والقصيدة الأخيرة ، قصيدة الشهداء ، التي سيحفظها تلاميذ غزة ، أقول لك يا صديقي: إن برتقال يافا ما زال بانتظارك يا سليم ، وميناء الصيادين في حي العجمي ينتظرك يا سليم ، وبحر غزة ما زال بانتظارك يا سليم ، فأخبرني بالله عليك متى ستعود ، لأتمكن من مرافقتك في رحلتك الحلم الجميل.
وفي الختام ،، نؤكد النداء الذي وضعه ناصر في آخر الكتاب ، أن ارفعوا الركام ، واجمعوا العظام ، لسليم وأسرته من تحت الدمار ، فالشهيد لا بد له من التكريم بجنازة وقبر يحمل اسمه ، ويخلد ذكراه في الأرض التي أحبها وناضل من أجلها.
يقول سليم في مقدمة إحدى قصائده الأخيرة : " ضجرنا من رداءتنا ، ومن أحلامنا الكبيرة ، فهل من متسعٍ صغير للحياة؟!
وهنا أختم بقصيدة مهداه لروح الشهيد أبو مصطفى بعنوان " قُم يا سليم ":
قم يا سليم واقرأ لنا أجملَ الأشعار
ورتلْ لنا ما تيسرَ مِن "سورةِ الأقدار"
فللشعرِ طعمُ الشهدِ من شاعرٍ مغوار!!
*
أراكَ تحتضنُ مصطفى وسطَ الدمار
وتمسحُ عن وجهِ جومانة كومةَ الغبار
وهذه ليلى ولمى تنتظران ببابِ الدار!!
*
نَمْ يا رفيقي هانئاً مع الشهداءِ والأبرار
ثُمَ قُمْ يا صديقي حاملاً شهادةَ الثوار
فالشهداءُ سيعودون حتماً لهذي الدار!!
*مرفق الصورة التي جمعتني مع صديقي الراحل سليم النفار والكاتب محمد نصار ، في آخر مناسبة ثقافية حضرناها يوم 19 نوفمبر 2016 ، في مهرجان " الموسيقا والبحر " ، في قاعة الهلال الأحمر الفلسطيني بحي تل الهوى بمدينة غزة ، وكانت بمثابة ذكرى للوداع ، قبل مغادرتي غزة نهائيا بعد ذلك بشهرين إلى كندا.
#من_حق_سليم_وعائلته_رفعهم_من_تحت_الركام

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات