الجمعة 14 اعسطس 2026

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.03 3.05
    الدينــار الأردنــــي 4.28 4.3
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.45 3.47
    الجـنيـه المـصــري 0.057 0.059

" خمسون دقيقة في غزة" ... حين يصبح المسرح شاهدًا على الإبادة ..للمخرج "علي أبو ياسين "

  • 13:55 PM

  • 2026-08-04

"قراءة/ مصطفى النبيه:

ليس سر جمال مسرحية "خمسون دقيقة في غزة" في تعقيد بنيتها الدرامية، ولا في كثرة أحداثها، وإنما في قدرتها النادرة على اختزال مأساة شعب كامل داخل خمسين دقيقة فقط. إنها لا تحاول أن تشرح الحرب، بل تجعل المتفرج يعيشها. وما إن تبدأ حتى تتلاشى المسافة بين الخشبة والواقع، فلا تعود تشاهد ممثلين يؤدون أدوارًا، بل بشرًا ينقلون ذاكرة ما تزال تنزف. حين يبلغ العمل هذه الدرجة من الصدق، يصبح الحديث عن الهفوات الفنية أمرًا ثانويًا. فالمتلقي لا ينشغل ببناء الجملة المسرحية، ولا بإيقاع الحركة أو توزيع المشاهد، لأنه يجد نفسه داخل التجربة، لا خارجها. وهنا تكمن قوة المسرحية؛ فهي لا تفرض عليك التعاطف، بل تترك الحقيقة تؤدي دورها. اختار المخرج علي أبو ياسين أن يجعل مستشفى الشفاء فضاءً للأحداث، وهو اختيار شديد الذكاء. فالمكان الذي وُجد لإنقاذ الإنسان يتحول إلى مساحة ينتظر فيها الناس موتهم، ويصبح المستشفى صورة رمزية لغزة كلها؛ مدينة تبحث عن الحياة بينما يحاصرها الموت من كل الجهات. ومن داخل هذا المكان تتوالد الحكايات. الأم التي انتظرت سنوات طويلة لتصبح أمًا لا تخاف من ألم الولادة، بل من ألا تجد فرصة لتضم طفلها إلى صدرها. ومع ذلك، لا تتخلى عن حقها في الفرح، ولا عن رغبتها في سماع كلمة حب من زوجها، أو في أن ترقص وتغني. وكأن المسرحية تقول إن الحرب قد تهدم البيوت، لكنها لا تستطيع أن تهزم الغريزة الإنسانية التي تدفع الإنسان إلى الحب والحياة. ثم يظهر الناجي الوحيد والناجية الوحيدة، حاملين ذاكرة عائلتين لم يبق منهما أحد. لا يرويان الحكاية بوصفها حدثًا مضى، بل يعيشانها من جديد أمام الجمهور. تتداخل أصواتهما مع صور الأنقاض والوداع الأخير، حتى يشعر المتفرج أن الدموع لم تعد استجابة عاطفية، بل فعلًا إنسانيًا لا يمكن مقاومته. ولا يكتفي العرض بتوثيق الموت تحت القصف، بل يفتح أبوابًا أخرى للوجع. ينتقل إلى ملف الأسرى، كاشفًا ما يتعرضون له من تعذيب وإذلال وانتهاكات، ثم يلتفت إلى مأساة الفتاة  التي تجاوزت الثلاثين وحلمت أن تلبس فستان الفرح وحرمت منه كامرأة وأصبحت هي وجيلها اليوم عانس.تطرح المسرحية حكاية آلاف النساء اللواتي سرقت الحرب حقهن في تكوين أسرة، بعد أن ابتلعت آلاف الشبان بين شهيد وأسير وجريح. هنا لا تتحدث المسرحية عن قصة فتاة واحدة، بل عن مستقبل اجتماعي كامل يتعرض للتدمير. ومن أجمل لحظات العرض تلك التي يكتب فيها الممثلون أسماءهم على أجسادهم. لوحة بسيطة في تنفيذها، لكنها عميقة في معناها؛ فالإنسان هنا يخشى أن يموت مجهولًا، ويريد لاسمه أن يبقى حتى لو غاب جسده. إنها لحظة تختصر مأساة غزة كلها؛ حيث أصبح الاسم آخر ما يملكه الإنسان في مواجهة آلة الموت. ومع اشتداد الحصار، يتقدم الشاب الفقير أحمد، بائع الرصيف أمام مستشفى الشفاء، ليبحث عن نجاة للآخرين. يخرج وهو يعرف أن الموت ينتظره، ثم يُعدم أمام أعينهم، فيسقط الأمل للحظة. لكن المسرحية لا تنتهي عند هذه الصورة. ففي قلب العتمة يولد الطفل المنتظر، وكأن الحياة تصر على أن تفتح نافذة صغيرة وسط الجدار. أما المشهد الأخير، فهو من أكثر مشاهد العرض شاعرية. الجميع يلتفون حول المولود الجديد، لا لأنهم قادرون على حمايته، بل لأنهم يؤمنون أن الدفاع عن الحياة، حتى لو كان مستحيلًا، هو آخر ما تبقى للإنسان من كرامته، والطفل يمثل الأمل في المستقبل، يمتلك العرض حساسية عالية في إدارة الانفعال، ويستند إلى أداء صادق جعل الشخصيات تبدو أقرب إلى شهود منها إلى ممثلين. ومع ذلك، فإن العمل كان سيزداد اكتمالًا لو أتيح له فضاء سينوغرافي أرحب يسمح بتشكيل صور بصرية أكثر اتساعًا، ولو منح النص مساحة أكبر لبعض المحاور، وفي مقدمتها مأساة النساء، وملف الأسرى، لما تحمله هذه القضايا من أبعاد إنسانية تستحق مزيدًا من التعمق. قبل مشاهدة العرض، أخبرني الصديق الفنان علي أبو ياسين أنه أنجز مسرحية جديدة ستُعرض في مؤسسة عبد المحسن القطان. يومها شكرته قبل أن أشاهدها، لأن مجرد إنتاج عرض مسرحي في غزة اليوم هو فعل مقاومة ثقافية. وحين خرجت من القاعة، أدركت أن المسرحية لم تكن انتصارًا للمسرح وحده، بل انتصارًا لقدرة الإنسان على حماية روحه من الخراب.
  ولأن الجمال فعلُ مقاومة، فإن هذا العمل لم يكن ليولد لولا قلوب آمنت بأن الفن قادر على الانتصار حتى في أكثر اللحظات قسوة. فكل الشكر والامتنان لهؤلاء المبدعين الذين يعيشون ألوانًا من العذاب، لكنهم اختاروا أن ينتصروا للحياة، وأن يزرعوا الجمال في وجه الألم، ويثبتوا أن الإبداع يظل أقوى من الخراب. تحية تقدير للفنان تامر نجم، والفنان إيهاب عليان، والفنان محمد قدورة، والفنان أحمد طه، والفنانة إيمان عودة، والفنانة سارة محيسن، والفنانة ياسمين جعرور، والفنانة لينا العطار، وللموسيقار فادي أبو ياسين الذي منح العمل نبضًا يلامس الروح. وقد لعب الديكور دوراً  في المسرحية حيث كان يحكي حكايتها، لمصمم الديكور الرائع اسماعيل دحلان ..إنهم جميعًا يؤكدون أن الفن، حتى في قلب المأساة، يبقى رسالة حياة، وأن الإنسان قادر على أن يصنع من الألم جمالًا، ومن الصمت صوتًا يصل إلى العالم. ليست "خمسون دقيقة في غزة" مجرد عرض مسرحي، بل شهادة فنية على زمن الإبادة، ووثيقة تحفظ ذاكرة الناس من النسيان. خمسون دقيقة تسرق دموعك، لكنها تعيد إليك إيمانك بأن الفن، حتى في أقسى الظروف، قادر على أن يمنح الإنسان سببًا آخر للحياة.في غزة، لا نصنع الفن لأن الحياة جميلة، بل نصنعه كي تبقى الحياة ممكنة

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات